الأربعاء، 1 أبريل 2020

الأربعون التربوية


الأربعون التربوية


إن أساليب التربية والتعليم الإسلامي بدأت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان أول المعلمين لقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين[آل عمران: 164].
إذن .. التربية هي عملية متكاملة: تاريخيا وثقافيا وجسميا ونفسيا واجتماعيا وقيميًّا واقتصاديا وتقنيا ومستقبليا. ويقوم بالتربية أناس متعددون أولهم الأسرة، وثانيهم المعلم، وثالثهم الأصدقاء، ورابعهم وسائل الإعلام، وخامسهم المتعلم نفسه يعلم نفسه تلقائيا.
الأربعون النووية والأربعون التربوية
فالتربية بحاجة إلى مجموعة من القواعد التربوية، لتكون ذخيرة ونبراسا في تطبيق العملية التربوية، فهل يمكننا أن نصف ما يمكن أن نسميه (الأربعين التربوية) على غرار (الأربعين النووية)؟


فلماذا (الأربعون النووية) بالذات؟
لأنها مجموعة من الأحاديث النبوية الكريمة للإمام النووي، واشتهرت لكونها تمثل نموذجا رائعا للأحاديث النبوية التي عليها مدار الدين الإسلامي، والمطلوب من المسلمين أن يعرفوا أو يراجعوا أو يحفظوا مثل هذا النموذج، وفي هذه الأربعين التربوية ما يغنينا.


1- التربية بالقدوة
كقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (رواه البخاري).


2- التربية بالثواب والعقاب (الترغيب والترهيب)
كقوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام 160]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله" (رواه مسلم).


3- التربية بالنصيحة
كقوله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (أخرجه مسلم).


4- التربية بالتعويد
كقوله صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، وأضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع" (حديث صحيح، سنن أبي داود للألباني).


5- التربية باستثمار الطاقة وملء الفراغ
كقوله تعالى: {فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الانشراح 7]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها" (سلسلة الأحاديث الصحيحة للإمام الألباني).


6- التربية بالاستفادة من الأحداث
وذلك عندما قال رجل: "يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبًا منه يومئذ، ثم قال: "يا أيها الناس إن منكم منفرين، فمن أم الناس فليجوز، فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة" (رواه البخاري).


7- التربية بمجالسة العلماء والصالحين
كقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة"(رواه البخاري ومسلم).


8- التربية بالتشويق
كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أقربكم مني مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون" (رواهالطبراني عن جابر).


9- التربية بالتلقين
كقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" (صحيح سنن الترمذي للألباني).


10- التعليم بالعمل والممارسة
كقوله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" (صحيح مسلم بشرح النووي).


11- التعليم بالحوار
كقوله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" (رواه مسلم).


12- التعليم بالحفظ والاستظهار
كقوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه" (رواه أبو داود).


13- التعليم بالاستقراء (من الجزئيات للكليات)
كقوله صلى الله عليه وسلم عن أنواع الصدقة: "على كل مسلم صدقة". قيل أرأيت إن لم يجد؟ قال: "يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق قال قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: "يعين ذا الحاجة الملهوف". قال قيل له: أرأيت إن لم يستطع ؟ قال: "يأمر بالمعروف أو الخير!" قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: "يمسك عن الشر فإنها صدقة" (صحيح مسلم).


وقال: "إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة" (صحيح مسلم).
وقال: "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة" (صحيح سنن الترمذي للألباني).
14- التعليم بالقياس (من الكليات للجزئيات)
كقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (رواه مسلم).


15- التعلم بالقصص
قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3]، وقوله تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]، وقوله: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176]. قال عمر: "قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقاما، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم" رواه البخاري.


16- التعليم بضرب الأمثال
كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج 73].


وقوله صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟قالوا لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا" (رواه مسلم).
17- التعلم الذاتي
مثال ذلك، عندما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الذي أساء صلاته يعيدها مرارا ليتفطن بالتجربة العملية إلى أخطائه فيصلحها، وبذلك يثبت لديه التعلم: "إن رسول الله صل الله عليه وسلم، دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد، قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غيره، فعلمني فقال: "إنك إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، افعل ذلك في صلاتك كلها" (رواه البخاري).


18- التعليم بالتكرار
كقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" (رواه مسلم).


19- التعليم بالوسائل التوضيحية
مثال ذلك، خطَّ صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط خطًّا في الوسط خارجا منه، وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: "هذا هو الإنسان، وهذا أجله محيط به وهذا الذي خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطاه هذا نهشه هذا وإن أخطاه هذا نهشه هذا" رواه البخاري.


20- التربية بالاستمرار
كجواب عائشة عندما سئلت: "أي العمل كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: الدائم" رواه البخاري.


21- التربية بالأسئلة
كراوية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟ قال: فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحيت. ثم قالوا حدثنا ما هي يا رسول الله فقال: "هي النخلة" (رواه البخاري).


22- التربية بالمخالطة
كقول أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ والنغير عصفور مات" (رواه البخاري).


23- التربية بالعدل في المعاملة
كقول النعمان بن بشير رضي الله عنه أن أباه نحل ابنا له غلامًا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، يشهده فقال: أكل ولدك نحلته مثل ما نحلت هذا؟ قال لا! قال: فأردده" -نحل بمعنى أعطاه وخصه- (صحيح سنن الترمذي).


24- التربية بالمدح
كقول أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر نساء وصبيانا مقبلين من عرس، فقام ممتنًا فقال: "اللهم أنتم من أحب الناس إليّ" رواه البخاري.


25- التربية بالترويح
كقول عائشة رضي الله عنها: "كان الحبش يلعبون بحرابهم، فسترني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أنظر فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فأقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو" – أي راعوا في الشابة الصغيرة أنها تحب اللهو واللعب وتحرص عليه واقدروا رغبتها على ذلك إلى أن تنتهي- رواه البخاري.


26- التربية بالاعتدال في بذل الجهد
كقول صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس: عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل" رواه مسلم.


27- التربية باللعب
كقول عائشة رضي الله عنه: "كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إليَّ فيلعبن معي" -يتقمعن تعني يتغيبن وراء ستار، يسربهم تعني يخرجهن- رواه البخاري.


28- التربية بتعلم اللغات لتوسيع المصادر
كقول زيد بن ثابت رضي الله عنه: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أتعلم السريانية" (رواه الترمذي).


29- التربية باستعمال اللغة البليغة والأناشيد
كقول صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحرا" رواه الترمذي. وقوله: "إن من الشعر حكمة" رواه البخاري.


30- التربية بمراعاة الفروق الفردية
كقوله صلى الله عليه وسلم: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" رواه مسلم.


31- التربية باختيار الأقران
كقوله صلى الله عليه وسلم: "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" (رواه الترمذي وورد في صحيح أبي داود).


32- التربية بالترغيب في العلم
كقوله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله تعالى له طريقًا إلى الجنة" صحيح الترمذي، وصحيح ابن ماجه.


33- التربية بالدعاء للاستعانة بالله تعالى
كقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أني أعوذ بك من العجز والكسل" رواه مسلم.


34- التربية بالمحاجة
وذلك عندما استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن الأتبية على صدقات بني سليم، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاسبه قال: هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت إلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا" رواه البخاري.


35- التربية بنشر العلم
كقوله صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" صحيح أبي داود.


36- التربية بالتذكير بالسابق
كقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55].


37- التربية بالتوازن بين جوانب الشخصية
جسميًا وعقليًا واجتماعيًا، كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن لنفسك عليك حقًا ولربك عليك حقًا، ولضيفك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه" صحيح الترمذي.


38- التربية بإجراء التجارب
مر صلى الله عليه وسلم بقوم يلقحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصًا. فمر بهم فقال: "ما لنخلكم؟"قالوا: قلت كذا وكذا، فقال "أنتم أعلم بأمر دنياكم" رواه مسلم.


39- التربية بإصلاح الخطأ
كقوله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" صحيح الترمذي.


40- التربية بالعرض
كما في الحديث المشهور الذي أخرجه مسلم، عن مجيء جبريل عليه السلام، في صورة رجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة ليعلم المسلمين دينهم.

خديجة أحمد بامخرمة

     موقع قصة الإسلام

الأحد، 14 مايو 2017

واجب المسلم تجاه السنة النبوية


[ واجب المسلم تجاه السنة النبوية ]
" أحمد سعد الدين "

نرى أنه على المسلم المعاصر بعض الواجبات
تجاه السنة النبوية منها:
 أولاً: اعتقاد حُجيتها:
 أول ما يجب علينا تجاه السنة النبوية أن نعتقد حجيتها، وأنها المصدر
الثاني للتشريع بعد كتاب الله جل وعلا، والبعْدية هنا في الفضل، أما في
الاحتجاج فحجية السنة كحجية الكتاب ومن واجبنا أن نعتقد أن كليهما
وحي من عند الله جل وعلا. فعن حسان بن عطية قال: "كان جبريل ينزل
على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن".
وقال تعالى:

 {وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ
وكان فضل الله عليك عظيمًا}
 سورة النساء:113.

 وقال تعالى:

{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى . إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}
سورة النجم: 3 -4؛

ولذا عنون الخطيب -في "الكفاية"- بقوله: ما جاء في التسوية بين حكم
كتاب الله وحكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي السنن
 عن المقدام بن معد يكرِب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

( ألا إني أُوتيت القرآن ومثله معه، ألا لا يوشك رجل شبعان
 على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه حلالاً
فأحلوه، وما وجدتم فيه حراما فحرموه،
 ألا وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله )،

 والأدلة على حجية السنة كثيرة مشهورة، والكلام في ذلك يطول
 فنكتفي بهذه الإشارة الموجزة الواضحة.

ثانياً: عدم معارضتها بآراء الرجال وأذواقهم،
والذبّ عنها وردّ شبهات المنافقين واللادينيين؛
فالواجب تقديم النقل على العقل، وفي الحقيقة ليس
في السنة الصحيحة ما يعارض العقل الصحيح أو صريح المعقول وحيثما
توهمنا التعارض في الظاهر فلنعلمْ -دون تردُّد- أن الحق ما جاءت به
السنة الصحيحة وأن العقل -لا محالة- سيدرك ذلك عاجلا أو آجلا. فالسنة
لا تُعارَض بآراء الرجال، ولكن ليس معنى ذلك أن المرء -لأول وهلة- إذا
قرأ حديثا يخالف أقوال العلماء يتجرأ، ويقول: هؤلاء العلماء خالفوا
الحديث، ولا يكلف نفسه أن يعرف مستند العلماء ووجه قولهم؛ فهذا
التصرف من الجهل والتطاول على أهل العلم، وإنما المقصود أن المسلم
إذا بحث في معنى الحديث، وقول مَن خالف الحديث من العلماء، واجتهد
في ذلك فظهر له أن الحديث كما فهمه، وأن العلماء قرروا ما فهمه
 ومَن خالف لم يظهر لمخالفته وجه راجح، فحينئذ عليه الأخذ بالحديث
دون قول مَن خالفه. أما أن تكون المسألة مجرد تسرُّع وتطاول على
العلماء مع الجهل بوجه الحديث وعدم تكليف النفس الوقوف على تفسيره
عند السلف والعلماء فهذا شذوذ وإفساد وليس تمسكا بها.

 ثالثاً: بذل الأسباب لحفظها من الضياع:
وحفظ السنة من الضياع أمر تكفل به رب العزة جل وعلا حين قال:

 {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}
سورة الحجر:9،

ولكن ذلك لا يعفينا من السعي في حفظها كما سعى الصحابة في حفظ كتاب
الله من الضياع والتحريف، مع أن الله جل وعلا متكفل بحفظه،
ومن ثم جمع أبو بكر رضي الله عنه القرآن وكتب عثمان رضي الله عنه
المصاحف، وكما اهتم الصحابة رضوان الله عليهم بحفظ كتاب الله
 جل وعلا فكذا كانت عنايتهم شديدة بالسنة والمحافظة عليها ولنا فيهم
أسوة حسنة. لقد كان سعيهم في حفظها من الضياع بوسيلتين، هما الحفظ
والتدوين، ولكل منهما دوره في حفظ السنة، فإنه إذا فُقد الرجال الحفاظ
بقيت المخطوطات والكتب، فيحملها قوم من جديد، وإذا فقدت المخطوطات
والكتب بقي الرجال يحملون السنة في صدورهم، فيمكن كتابتها من جديد.

رابعاً: الاجتهاد في تنقيتها من الكذب
 وتمييز صحيحها من ضعيفها:
وهذا الواجب -وهو تحقيق الحديث النبوي- فرض كفاية، ولا يزال ملقى
على عاتق الأمة منذ وقوع الفتن في الصدر الأول وإلى الآن. وليس
مطلوباً من المشتغلين بعلم الحديث أن يكفّوا عن مواصلة جهودهم
 في هذا الشأن والاستفادة من مشايخه، كلا، وإنما المطلوب ألا ينسوا
دورهم في قيادة الأمة، وفي حفظ عقيدتها وشريعتها في الواقع العملي
 من المسخ والتحريف.

خامساً: تدارسها والسعي إلى نشرها وإحيائها
وتبصير الناس بها:
فينبغي أن يشيع بيننا دراسة الحديث النبوي الشريف وفهمه، وليكن ذلك
في بيوتنا وفي مساجدنا، كلٌّ حسب طاقته، فقد يلتقي البعض على دراسة
"الأربعين النووية"، ويقرأ آخرون في "رياض الصالحين"، وآخرون
يتدارسون "جامع العلوم والِحكَم"، وآخرون يتدارسون كتب السنة
كالصحيحين وغيرهما. ثم ينبغي لمن وعى ذلك أن يسعى في نشره
وتبصير الناس به كما في الحديث الصحيح عند أبي داود والترمذي
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

( نضر الله امرءاً سمع مقالتي ووعاها فأداها
كما سمعها فَرُبَّ مبلغ أوعى من سامع)

 ويلحق بذلك إحياء السنن المهجورة وحث الناس عليها، وإحياء السنن
المهجورة هو المقصود في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
 عند مسلم وغيره:

(مَن سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها
بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء..)

، فالحديث وارد في إحياء سنة وحث الناس عليها، وقصته أن قوما
فقراء مخرقي الثياب قدموا المسجد، فقام رجل من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم فتصدق عليهم فتبعه الناس واقتدوا بفعله،
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث مُثنياً على ذلك الرجل.

لكن توجد هنا ملاحظة:
 وهي مراعاة التدرج والرفق في إحياء هذه السنن، فبعض الناس
قد يستنكرون -بشدة- بعض السنن بعدما قضوا دهرا طويلاً من أعمارهم
لم يسمعوا بها، وحينئذ ينبغي أن يكون موقفناً وسطاً بين طرفين، بين مَن
يتجاهل هجران تلك السنة ويرى عدم المحاولة في هذه الحالة، ومَن يريد
تغيير هذا الهجران بشدة -أو على الفور- مهما أدى إليه من فتنة أو نفور
أو وحشة بين الناس وحَمَلة السنة، فالأول متقاعس عن القيام بدوره نحو
السنة، والآخر أراد القيام بدوره، لكن دون فقه، كمن يبني قصراً ويهدم
مِصراً، فليس كل مَن ابتغى خيراً أقدم عليه دون نظر في العواقب، وإلا فكم
أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعل خير ولكن توقفوا دفعاً
لشر أو مفسدة أكبر، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة
 رضي الله عنها:

لولا قومك حديث عهدهم -قال ابن الزبير:
 بكفر- لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس،
وباب يخرجون، ففعله ابن الزبير )

. ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه لما أتم عثمان رضي الله عنه
الصلاة بمِنى، وكان ابن مسعود يريد السنة، وهي القصر إلا أنه أتم
الصلاة وراءه قائلا: "الخلاف شر"، إلى غير ذلك من الأمثلة.
والمقصود هو الحرص على إحياء السنة، لكن مع التدرج واتقاء الشرور
التي ربما يكون دفْعها أحب إلى الله تعالى من الإتيان بتلك السنة.

سادساً: التمسك بها والتزامها، علماً واعتقاداً،
 وعملا وسلوكاً والتحلي بأخلاق أهلها:
 وهذا هو المقصود لذاته من حفظ السنة ودراستها، فالعلم يراد للعمل
وسعادة العبد في الدنيا والآخرة في التمسك بما في كتاب الله تعالى وسنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلحق بها ما سنَّه الخلفاء الراشدون
لقوله صلى الله عليه وسلم:

( فإنه من يعشْ منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي
وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضّوا عليها
بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور؛ فإن كلَّ بدعة ضلالة )

. وقال صلى الله عليه وسلم:

( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا،
كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض )،

 وقال صلى الله عليه وسلم:

( تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة،
قالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي )

. فمن أعظم التمسك والعمل بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم الرجوع
إليها مع كتاب الله تعالى عند التنازع وردّ الأمور إليها، لا إلى قوانين
 البشر، ولا يتحقق إيمان لأحد إذا لم يكن احتكامه للكتاب والسنة،
 قال تعالى:

 {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ
إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ}
سورة النساء:59،

 وكما قال العلماء فالرد يكون إليه صلى الله عليه وسلم في حياته
 وإلى سنته بعد مماته، وقال تعالى:

{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجرَ بَيْنَهُمْ
 ثُمَّ لا يَجدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
 سورة النساء:65،

وقال جل وعلا:

 {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا
 أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ
 فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا}
 سورة الأحزاب:36.

 قال ابن سِيرين: "كانوا -أي الصحابة- يتعلمون الهدى (أي السيرة
والهيئة والطريقة والسَّمْت) كما يتعلمون العلم". وقال بعضهم لابنه:
"يا بني لأن تتعلم باباً من الأدب أحب إليَّ من أن تتعلم سبعين باباً من
أبواب العلم". وقال أبو حنيفة: "الحكايات عن العلماء أحب إليَّ من كثير
من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم". وقال الحسن البصري رحمه الله:
"إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين".
وقال ابن المبارك رحمه الله: "تعلمت الأدب ثلاثين سنة، وتعلمت العلم
عشرين سنة". وعن الحسن قال: "كان طالب العلم يرى ذلك في سمعه
وبصره وتخشعه". ونختم بقول الشافعي رحمه الله: "ليس العلم ما حُفظ،
العلم ما نَفع".
أسأل الله لي و لكم الثبات اللهم صلِّ و سلم و زِد و بارك
على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين
--- --- --- --- --- ---
و الله سبحانه و تعالى أعلى و أعلم و أجَلّ
 

صدق الله العلى العظيم و صدق رسوله الكريم

و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم