الأحد، 5 يوليو 2015

عشر وقفات للنساء في رمضان


عشر وقفات للنساء في رمضان

هذه كلماتٌ وجيزة، ونداءات غالية، نهديها إلى المرأة المسلمة والفتاة المؤمنة، بمناسبة قُدُوم شهر رمضان المبارك، نسأل الله أن ينفع بها كل من قرأتها من أخواتنا المؤمنات، وأن تكون عونًا لهن على طاعة الله تعالى والفوز برضوانه ومغفرته في هذا الشهر العظيم.
الوقفة الأولى: رمضان نعمة يجب أن تشكر:
أختاه! إن شهر رمضان من أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين، فهو شهر تتنزل فيه الرحمات، وتغفر فيه الذنوب والسيئات، وتضاعف فيه الأجور والدرجات، ويعتق الله فيه عباده من النيران؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: "إذا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبوابُ الجنَّة، وَغُلِّقَتْ أبوابُ جَهَنَّم، وَسُلْسِلَتِ الشَّياطِينُ" [1].

وقال صلى الله عليه وسلّم: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" [2].
وقال تعالى في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" [3].
وقال صلى الله عليه وسلّم: "إن لله في كل يوم وليلة عتقاء من النار في شهر رمضان، وإن لكل مسلم دعوة يدعو بها، فيستجاب له" [4].
وفيه ليلة القدر؛ قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْر مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3].

فيا أختي المسلمة: 
هذه بعض فضائل هذا الشهر الكريم،وهي تُبَيِّنُ عظم نعمة الله تعالى عليك بأن آثرك على غيرك، وهيأك لصيامه وقيامه، فكم من الناس صاموا معنا رمضان الغابر، وهم الآن بين أطباق الثرى مُجَنْدَلِين في قبورهم. فاشْكُرِي اللهَ أُخْتِي المُسْلِمَة على هذه النعمة، ولا تُقَابِلِيها بِالمَعَاصِي والسيئات فتزول وتَنْمَحِي، وَلَقَدْ أَحْسَنَ القائِلُ:

إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَة فَارْعَهَا *** فَإِنَّ المَعَاصِي  تُزِيلُ  النِّعَمْ
وَحُطْهَا بِطَاعَةِ رَبِّ العِبَادِ *** فَرَبُّ العِبادِ  سَرِيــعُ  النِّقَمْ
الوقفة الثانية: كيف تستقبلين رمضان؟!
1- بالمبادرة إلى التوبة الصادقة كما قال سبحانه:
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].
2- بالتخلُّص من جميع المنكرات من كذبٍ وغيبةٍ ونميمةٍ وفحشٍ وغناءٍ وتبرّجٍ واختلاطٍ وغيرِ ذَلِكَ.
3- بعقد العزم الصادق والهمة العالية على تعمير رمضان بالأعمال الصالحة، وعدم تضييع أوقاته الشريفة فيما لا يفيد.
4- بكثرة الذكر والدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن.
5- بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، وتأديتها بتؤدة وطمأنينة وخشوع.
6- بالمحافظة على النوافل بعد إتيان الفرائض.

الوقفة الثالثة: تعلمي أحكام الصيام:
يجب على المسلمة أن تتعلم أحكام الصيام، فرائضه وسننه وآدابه، حتى يصح صومها ويكون مقبولاً عند الله تعالى، وهذه نبذة يسيرة في أحكام صيام المرأة:

1- يجب الصيام على كل مسلمة بالغة عاقلة مقيمة (غير مسافرة) قادرة (غير مريضة) سالمة من الموانع كالحيض والنفاس.
2- إذا بلغت الفتاة أثناء النهار لزمها الإمساك بقية اليوم؛ لأنها صارت من أهل الوجوب، ولا يلزمها قضاء ما فات من الشهر؛ لأنها لم تكن من أهل الوجوب.
3- تشترط النية في صوم الفرض، وكذا كل صوم وواجب، كالقضاء و الكفارة؛ لحديث: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" [5]، فإذا نويت الصيام في أي جزء من أجزاء الليل ولو قبل الفجر بلحظة صحَّ الصيام.

4- مفسدات الصوم سبعة:
أ – الجماع.
ب - إنزال المنيّ بمباشرة أو ضم أو تقبيل.
جـ - الأكل والشرب.
د - ما كان بمعنى الأكل والشرب كالإبر المغذية.
هـ - إخراج الدم بالحجامة والفصد.
و - التقيؤ عمدًا.
ز- خروج دم الحيض والنفاس.

5- الحامل إذا رأت القصة البيضاء -وهو سائل أبيض يدفعه الرحم بعد انتهاء الحيض- التي تعرف بها المرأة أنها قد طهرت، تنوي الصيام من الليل وتصوم، وإن لم يكن لها طهر تعرفه احتشت بقطن ونحوه، فإن خرج نظيفًا صامت، وإن رجع دم الحيض أفطرت.
6- الأفضل للحائض أن تبقى على طبيعتها، وترضى بما كتبه الله عليها، ولا تتعاطى ما تمنع به الحيض، فإنه شيء كتبه الله على بنات آدم.
7- إذا طهرت النفساء قبل الأربعين صامت واغْتَسَلَتْ للصلاة، وإذا تجاوزت الأربعين نوت الصيام واغتسلت، وتعتبر ما استمر استحاضة، إلا إذا وافق وقت حيضها المعتاد فهو حينئذ حيض.
8- دم الاستحاضة لا يؤثر في صحة الصيام.
9- الراجح قياس الحامل والمرضع على المريض، فيجوز لهما الإفطار، وليس عليهما إلا القضاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم" [6].
10- لا بأس للصائمة بتذوق الطعام للحاجة، ولكن لا تبتلع شيئًا منه، بل تمجه وتخرجه من فيها، ولا يفسد بذلك صومها.
11- يستحب تعجيل الفطر قبل صلاة المغرب، وتأخير السحور، قال صلى الله عليه وسلّم: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" [7].

الوقفة الرابعة: رمضان شهر الصيام لا شهر الطعام:
أختي المسلمة: فرض الله صيام رمضان ليتعود المسلم على الصبر وقوة التحمل، حتى يكون ضابطًا لنفسه، قامعًا لشهوته، متقيًا لربه،
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

وقد سئل بعض السلف: لم شرع الصيام؟ فقال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الفقير!
وإن مما يبعث على الأسف ما نراه من إسراف كثير من الناس في الطعام و الشراب في هذا الشهر، حيث إن كميات الأطعمة التي تستخدمها كل أسرة في رمضان أكثر منها في أي شهر من شهور السنة! إلا من رحم الله. وكذلك فإن المرأة تقضي معظم ساعات النهار داخل المطبخ لإعداد ألوان الأطعمة وأصناف المشروبات!!.
فمتى تقرأ هذه القرآن؟
ومتى تذكر الله وتتوجه إليه بالدعاء والاستغفار؟
ومتى تتعلم أحكام الصيام وآداب القيام؟
ومتى تتفرغ لطاعة الله عز وجل؟

فاحذري أختاه من تضييع أوقات هذا الشهر في غير طاعة الله وعبادته، فقد خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يغفر له،
 قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فاعلاً فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" [8].
الوقفة الخامسة: رمضان شهر القرآن:
لشهر رمضان خصوصية بالقرآن ليست لباقي الشهور، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]. فرمضان والقرآن متلازمان، إذا ذكر رمضان ذكر القرآن، وفي الصحيحين عنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جِبْريلُ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فَلَرَسُولُ الله حين يلقاه جبريلُ أجود بالخير من الريح المرسلة".

في هذا الحديث دليل على استحباب تلاوة القرآن ودراسته في رمضان، واستحباب ذلك ليلاً، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر
 كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً[المزمل: 6]. وكان بعضهم يختم القرآنَ في قيام رمضان في كل ثلاثِ ليالٍ، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، وَكانَ قتادةُ يَخْتِمُ في كل سبعٍ دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة.
وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام.
وقال ابن عبدالحكم: كان مالك إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
وقال عبد الرازق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن.

وأنت - أختي المسلمة - ينبغي أن يكون لك ورد من تلاوة القرآن، يحيا به قلبك، وتزكو به نفسك، وتخشع له جوارحك، وبذلك تستحقين شفاعة القرآن يوم القيامة. قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ؛ يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال: فيشفّعان" [9].
الوقفة السادسة: رمضان شهر الجود والإحسان:
أختي المسلمة: حث النبي صلى الله عليه وسلّم النساء على الصدقة فقال عليه الصلاة والسلام: "يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار" [10]، وقال صلى الله عليه وسلّم: "تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن.." [11] .
ويروى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها تصدقت في يوم واحد بمائة ألف، وكانت صائمة في ذلك اليوم، فقالت لها خادمتها: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحمًا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ؟ فقالت: لَوْ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ!

أما الجود في رمضان فإنه أفضل من الجود في غيره، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - في رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان جوده صلى الله عليه وسلّم شاملاً جميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل النفس لله تعالى في إظهار دينه وهاية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم.
ومن الجود في رمضان إطعام الصائمين: فاحرصي - أختي المسلمة - على أن تفطري صائمًا، فإن في ذلك الأجر العظيم، والخير العميم، قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لاينقص من أجر الصائم شيئًا" [12].
واحرصي كذلك على الصدقة الجارية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" [13].
الوقفة السابعة: رمضان شهر القيام:
أختي المسلمة: كان النبي صلى الله عليه وسلّم يقوم من الليل حتى تَتَفَطَّرَ قدماه، فقالوا له: يارسول الله! تفعل ذلك وقد غُفِرَ لَكَ ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" [14]. وقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه"[15].

وللمرأة أن تذهب إلى المسجد لتؤدي فيه الصلوات ومنها صلاة التراويح، غير أن صلاتها في بيتها أفضل، لقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن" [16].
قال الحافظ الدمياطي: "كان النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا خَرَجْنَ من بُيُوتِهِنَّ إلى الصلاة يخرجن متبذلات متلفعات بالأكسية، لا يعرفن من الغلس - أي الظلمة - وكان إذا سلَّمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلّم يقال للرجال: مكانكم حتى ينصرف النساء، ومع هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إنَّ صلاتَهُنَّ في بيوتهن أفضل لهن.. فما ظنك فيمن تخرج متزينة، متبخة، متبهرجة، لابسةً أحْسَنَ ثِيابِها، وقد قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها: لو علم النبي صلى الله عليه وسلّم ما أَحْدَثَ النِّساء بعده لمنعهن الخروج إلى المسجد. هذا قولها في حق الصحابيات ونساء الصدر الأول، فما ظنك لو رأت نساء زماننا هذا ؟!)) ا.هـ.
فعلى المرأة الرشيدة إذا أرادتِ الخُرُوجَ إلى المسجد أن تخرج على الهيئة التي كانت عليها نساء السلف إذا خرجن إلى المساجد.
وعليها كذلك استحضارُ النِّيَّةِ الصالحة في ذلك، وأنها ذاهبة لأداء الصلاة، وسماع آيات الله عزَّ وَجَلَّ، وهذا يدعوها إلى السكينة والوقار وعدم لفت الأنظار إليها.
بعض النساء يذهبن إلى المسجد مع السائق بمفردهن فيكن بذلك مرتكبات لمحرم سعيًا في طلب نافلة، وهذا من أعظم الجهل وأشد الحمق.
ولا يجوز للمرأة أن تتعطر أو تتطيب وهي خارجة من منزلها، كما أنه لا يجوز لها أن تتبخر بالمجامر لقوله صلى الله عليه وسلّم: "إيّما امرأةٍ أَصابَتْ بُخُورًا فلا تَشْهَدْ مَعَنَا العِشاءَ" [17].
وعلى المرأة ألا تَصْطَحِبَ معها الأطفال الذين لا يَصْبِرُونَ على انشغالها عنهم بالصلاة، فيؤذون بقية المصلين بالبكاء والصراخ، أو بالعبث في المصاحف وأمتعة المسجد وغيرها.
الوقفة الثامنة: صيام الجوارح:
أختي المسلمة: اعلمي أن الصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، فصامت عيناه عن النظر إلى المحرمات، وصامت أذناه عن سماع المحرمات من كذب وغيبة ونميمة وغناء وكل أنواع الباطل، وصامت يداه عن البطش المحرم، وصامت رجلاه عن المشي إلى الحرام، وصام لسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث، فإن تكلم فبالكلام الطيب الذي لاحت فائدته وبانت ثمرته، فلا يتكلم بالكلام الفاحش البذيء الذي يجرح صيامه أو يفسده. ولا يفري كذلك في أعراض المسلمين كذبًا وغيبة ونميمة وحقدًا وحسدًا؛ لأنه يعلم أن ذلك من أكبر الكبائر وأعظم المنكرات، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" [18]، وقال صلى الله عليه وسلّم: ".. وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابَّه أحدُ أو قاتله فليقل:إني امرؤ صائم" [19].

وأمَّا من يصوم عن الطعام والشراب فقط، ويفطر على لحوم إخوانه المسلمين وأعراضهم فإنه المعني بقوله صلى الله عليه وسلّم: "رب صائمٍ حظُّه من صيامه الجوعُ والعطشُ[20].
الوقفة التاسعة: خطوات عملية للمحافظة على الأوقات في رمضان:
ينبغي على المرأة أن تستثمر أوقات هذا الشهر العظيم فيما يجلب لها الفوز والسعادة يوم القيامة، وأن تغتنم أيامه ولياليه فيما يقربها من الجنة ويباعدها عن النار، وذلك بطاعة الله تعالى والبعد عن معاصيه، وحتى تكون المرأة صائنة لأوقاتها في هذا الشهر الكريم فإن عليها ما يلي:

1- عدم الخروج من البيت إلا لضرورة، أو لطاعةٍ لله محققة، أو حاجة لابد منها.
2- تجنب ارتياد الأسواق وبخاصة في العشر الأواخر من رمضان، ويمكن شراء ملابس العيد قبل العشر الأواخر أو قبل رمضان.
3- تجنب الزيارات التي ليس لها سبب، وإن كان لها سبب كزيارة مريض فينبغي عدم الإطالة في الجلوس.
4- تجنب مجالس السوء، وهي مجالس الغيبة والنميمة والكذب و الاستهزاء والطعن في الآخرين.
5- تجنب تضييع الأوقات في المسابقات وحل الفوازير ومشاهدة الأفلام و المسلسلات وتتبع القنوات الفضائية. فإذا انشغلت المسلمة بذلك فعلى رمضان السلام!
6- تجنب السهر إلى الفجر؛ لأنه يؤدي إلى تضييع الصلوات والنوم أغلب النهار.
7- تجنب صحبة الأشرار وبطانة السوء.
8- الحذر من تضييع أغلب ساعات النهار في النوم، فإن بعض الناس ينامون بعد الفجر، ولا يستيقظون إلا قرب المغرب، فأي صيام هذا؟!
9- الحذر من تضييع الأوقات في إعداد الطعام وتجهيزه، وقد سبق التنبيه على ذلك.
10- الحذر من تضييع الأوقات في الزينة والانشغال بالملابس وكثرة الجلوس أمام المرآة.
11- الحذر من تضييع الأوقات في المكالمات الهاتفية، فإنها وسيلة ضعفاء الإيمان في كسر حدة الجوع والعطش، ولو أقبل هؤلاء على كتاب الله تلاوة ومدارسة لكان خيرًا لهم.
12- الحذر من المشاحنات والخلافات التي لا طائل من ورائها إلا إهدار الأوقات والوقوع في المحرمات، وإذا دعيت - أختي المسلمة - إلى شيء من ذلك فقولي: إني امرأة صائمة.

الوقفة العاشرة: العشر الأواخر:
أيتها الأخت في الله، مضى من الشهر عشرون يومًا ولم يبق إلا هؤلاء العشر، فالفرصة ما زالت أمامك قائمة، والأجور ما زالت معدة، فإذا كنت قد فرطت فيما مضى من الأيام، فاحرصي على اغتنام هذه الليالي والأيام، فإنما الأعمال بخواتيمها.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلّم "إذا دخل العشر شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وأيقظ أهله" [21]. فهي والله أيام يسيرة، وليالٍ معدودة، يفوز فيها الفائزون، ويخسر فيها الخاسرون.

كانت امرأة حبيب أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، وونحن قد بقينا!!
ومن فضل الله تعالى أن جعل ليلة القدر إحدى ليالي العشر الأواخر، وهي في أوتار العشر الأواخر من رمضان، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "تَحَرَّوْا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" [22]. وليلة القدر ليلة عظيمة، وفرصة جليلة، العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "إنَّ هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم" [23].
فاجتهدي - أختي المسلمة - في تَحَرِّي هذه الليلة العظيمة، ولا تحرمي نفسك من هذا الأجر الكبير، واعلمي أنك إذا قمت ليالي العشر كلها، وعمرتيها بالعبادة و الطاعة، فقد أدركت ليلة القدر لا محالة، وفزت إن شاء الله بعظيم الأجر وجزيل المثوبة.
الوقفة الحادية عشرة: دعاء ليلة القدر:
قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلّم: أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عفوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي" [24].



[1] متفق عليه.
[2] متفق عليه.
[3] متَّفَقٌ عليه.
[4] رواه أحمد بسندٍ صحيحٍ.
[5] رواه أبو داود
[6] رواه الترمذي، وقال: حسن.
[7] متفق عليه.
[8] رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني.
[9] رواه أحمد والحاكم بسند صحيح.
[10] رواه مسلم
[11] رواه البخاري
[12] رواه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح.
[13] رواه مسلم.
[14] متَّفق عليه
[15] متَّفق عليه
[16] رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني.
[17] رواه مسلم
[18] رواه البخاري.
[19] متفق عليه.
[20] رواه أحمد وابن ماجه بسند صحيح.
[21] متفق عليه
[22] متفق عليه
[23] رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
[24] رواه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح.

الجمعة، 3 يوليو 2015

" قصة عن الإيثار في رمضان "



" درس في الإيثار "

ذكر عن الواقدي أنه قال : أضقت إضاقة شديدة وهجم شهر رمضان، وأنا بغير نفقة، فضاق ذرعي بذلك، فكتبتُ إلى صديق لي علوي، أسأله أن يقرضني ألف درهم، فبعث إليَّ بها في كيس مختوم فتركتها عندي، فلما كان عشي ذلك اليوم، وردت علي رقعة صديق لي يسألني إسعافه لنفقة شهر رمضان بألف درهم، فوجهت إليه بالكيس بخاتمه، فلما كان في الغد جاءني صديقي الذي اقترض مني، والعلوي الذي اقترضت منه، فسألني العلوي عن خبر الدراهم فقلت : صرفتها في مهم .

فأخرج الكيس بختمه وضحك وقال : والله قد قرب هذا الشهر، وما عندي إلا هذه الدراهم، فلما كتبت إليَّ، وجهت بها إليك، وكتبت إلى صديقنا هذا أقترض منه ألف درهم، فوجه إليَّ بالكيس فسألته عن القصة فشرحها، وقد جئناك لنقتسمها وإلى أن ننفقها يأتي الله بالفرج .

قال الواقدي : فقلت لهما : لست أدري أيّنا أكرم، فقسمناها ودخل شهر رمضان، فأنفقت أكثر ما حصل منها وضاق صدري وجعلت أفكر في أمري، فبينما أنا كذلك إذ بعث إليَّ يحيى بن خالد البرمكي في سحرة يوم فصرت إليه، فقال : يا واقدي رأيتك البارحة فيما يرى النائم وأنت على حال دلتني على أنك في غمٍّ شديد وأذى فاشرح لي أمرك فشرحته، إلى أن بلغت حديث العلوي وصديقي والألف درهم، فقال : ما أدري أيكم أكرم وَأَمَرَ لي بثلاثين ألف درهم، ولهما بعشرين، وقَلَّدَني القضاء
 (نظر الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي) .


من كتاب من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه 
 للكاتب إبراهيم بن عبدالله الحازمي
-----------------------------------------------------------------------

فوائد الإيثَار

للإيثَار فوائد عظيمة وثمار جليلة يجنيها أصحاب هذا الخُلُق العظيم منها:

1- دخولهم فيمن أثنى الله عليهم مِن أهل الإيثَار، وجعلهم مِن المفلحين.
2- الإيثَار طريق إلى محبَّة الله تبارك وتعالى.
3- تحقيق الكمال الإيماني، فالإيثَار دليلٌ عليه، وثمرة مِن ثماره.
4- ومِن أعظم الثِّمار والفوائد: أنَّ التَّحلِّي بخُلُق الإيثَار فيه اقتداءٌ بالحبيب محمَّد صلى الله عليه وسلم.
5- أنَّ المؤْثر يجني ثمار إيثاره في الدُّنْيا قبل الآخرة وذلك بمحبَّة النَّاس له وثناؤهم عليه، كما أنَّه يجني ثمار إيثاره بعد موته بحسن الأحدوثة وجمال الذِّكر، فيكون بذلك قد أضاف عمرًا إلى عمره.
6- الإيثَار يقود المرء إلى غيره مِن الأخلاق الحسنة والخِلال الحميدة كالرَّحمة وحبِّ الغير والسَّعي لنفع النَّاس، كما أنَّه يقوده إلى تَرك جملةٍ مِن الأخلاق السَّيِّئة والخِلال الذَّميمة كالبخل وحبِّ النَّفس والأَثَـــرَة والطَّمع وغير ذلك.
7- الإيثار جالبٌ للبركة في الطَّعام والمال والممتلكات.
8- وجود الإيثَار في المجتمع دليلٌ على وجود حس التَّعاون والتَّكافل والمودَّة، وفقده مِن المجتمع دليلٌ على خلوِّه مِن هذه الركائز المهمَّة في بناء مجتمعات مؤمنة قويَّة ومتكاتفة.
9- بالإيثَار تحصل الكفاية الاقتصاديَّة والمادِّيَّة في المجتمع، فطعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثَّلاثة، والبيت الكبير الذي تستأثر به أسرة واحدة مع سعته يكفي أكثر مِن أسرة ليس لها بيوت تؤويها وهكذا.

الأربعاء، 1 يوليو 2015

رمضان والرجوع إلى الله



ألقى فضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي  -  يحفظه الله
خطبتي الجمعة من المسجد النبوى بالمدينة المنورة بعنوان :

رمضان والرجوع إلى الله
والتي تحدَّث فيها عن شهر رمضان وفضائله،
وما فيه من فرصٍ في الإقبال على الطاعات والأعمال الصالحة،
ذاكرًا ما في هذا الشهر من أعمالٍ وعباداتٍ يتقرَّبُ بها العبدُ إلى الله تعالى .


الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والمُلك الذي لا يُرام،
والعزَّة التي لا تُضام، أحمدُ ربي وأشكرُه على عظيم الإنعام،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
 له المُلك وله الحمدُ الملكُ القدوسُ السلام،
وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه أفضلُ من صلَّى وصام،
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ،
 وعلى آله وصحابتِه الكرام.


فاتقوا الله في كل الأوقات؛ تفوزُوا برِضوان ربِّكم والجنات.

أيها المسلمون:

احذَروا الغفلةَ فإنها مُهلِكة، وإياكم وتأخيرَ التوبة فإن الأمانيَّ الباطلةَ مُردِية،
وقد تفضَّل الله على خلقِه بالنِّعم الظاهرة والباطنة؛ فأما المُؤمنون فقد شكروها،
 وأما أعداء الله فقد كفَروها
 قال الله تعالى:

{ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }
[ لقمان: 12 ]

وما شرعَه الله من عباداتٍ وفرائِض، وما حرَّمه من مُحرَّمات،
وما زجرَ عنه من المنهيَّات تكريمٌ من الربِّ للمُكلَّفين، وطهارةٌ وزكاةٌ، وإعدادٌ للمُكلَّف،
وتأهيلٌ للعبدِ ليكون خالدًا في جنات النعيم، مع

{ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا }
[ النساء: 69، 70 ]

والله - جل وعلا - طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا؛
قال الله تعالى:

{ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ
 ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }
[ النحل: 32 ]
وقال تعالى:

{ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
 [ المائدة: 6 ]
وقال - تبارك وتعالى -:

{ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ }
[ فاطر: 18 ].
وقال - عز وجل - في الحديث القُدسي:

( يا عبادي ! إنما هي أعمالُكم أُحصِيها لكم، ثم أُوفِّيكم إياها،
فمن وجدَ خيرًا فليحمَد الله، ومن وجدَ غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه )
 رواه مسلمٌ من حديث أبي ذرٍّ - رضي الله عنه -.
والمؤمنُون طابَت أعمالُهم، فطابَت أحوالُهم ومآلُهم؛
قال الله تعالى:

{ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }
[ القصص: 83 ].

والتوحيدُ لله الخالِص هو الذي يُطهِّر العبد، ويُزكِّي الأعمال، ويُصحِّحها ويُضاعِفُها،
ويُطيِّبُها، وجميعُ الصالِحات تبَعٌ لتوحيد الله في العبادة.
ومن ظلَمَ نفسَه بالشركِ في العبادة، والبِدع المُضادَّة لدينِ الله،
والنفاقِ الباطلِ الذي يُبغِضُ صاحبُه أحكامَ القرآن والسنة لا ينفعُه عملٌ صالحٌ،
ولا يدخلُ الجنةَ إلا أن يتوبَ إلى ربِّه تعالى
 قال الله تعالى:

{ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ
وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ }
[ الأعراف: 40 ].
وقال تعالى عن المُنافقين:

{ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }
[ التوبة: 95 ].

وعن أبي هُريرة - رضي الله عنه - قال:
قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:

( يلقَى إبراهيمُ - صلى الله عليه وسلم - أباه يوم القيامة،
وعلى وجهه قتَرة، فيقولُ له: ألم أقُل لك: لا تعصِني،
فيقول : اليوم لا أعصِيك، فيقولُ إبراهيم: ربِّ قد وعدتَّني ألا تُخزِيَني،
وأيُّ خزيٍّ أعظمُ من أن يدخُل أبي النارَ؟!
فيقولُ الله تعالى: يا إبراهيم ! إني حرَّمتُ الجنةَ على الكافرين، فيُلِحَّ على ربِّه،
فيمسخُ الله أباه دِيخًا - يعني: ضبُعًا -، فيلتفِتُ إليه ويُقال له: أهذا أبُوك؟
فيقولُ: لا، فتَطيبُ نفسُ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -،
فيُؤخَذُ بقوائِمه ويُلقَى في النار )
 رواه البخاري ومسلم.

فالشفاعةُ لا تكونُ إلا للمُوحِّدين، وإن كانوا قد ارتكَبَ بعضُهم كبائِر.
والعباداتُ شُرِعَت لحِكَمٍ عظيمة، ومقاصِد جليلةٍ عاليةٍ، فإن أثمرَت تلك العبادات،
وتحقَّقَت حِكَمُها ومقاصِدُها في المُكلَّف نفعَت صاحبَها أعظمَ النفع،
وإن خلَت العباداتُ من الحِكَم التي شُرِعَت لها كانت حُجَّةً على صاحبِها.

والصيامُ شُرِع للتقوَى، والإحسان إلى النفس، والإحسان إلى الخلق،
وقد جمعَ الله في هذا الشهر المُبارَك مُضاعفَة الصلوات المفروضَة،
والتطوُّع في السُّنن بكثرة النوافِل ليلاً ونهارًا، والزكاةَ لمن جعلَ وقتًا لزكاة مالِه،
والنفقات في أبواب الخير، وفتحَ فيه بابَ الإحسان والمعروف،
وشرعَ فيه العُمرةَ لمن تيسَّر له، وهي الحجُّ الأكبر.
وخصَّه بنزول القرآن الكريم، وشرحَ فيه الصدورَ لتدبُّر القرآن،
وذلَّل فيه الألسُنَ بكثرة التلاوة، وحفِظَ فيه الأمةَ من مرَدَة الشياطين،
 فلا يصِلُون إلى مُبتغاهم من الإفساد والفتن والشرِّ في هذا الشهر مثلَ فسادهم في غيره.

وتفضَّل الله فيه بإجابة الدعاء للصائِمين
 عن عُبادة بن الصامِت - رضي الله عنه
 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

( أتاكُم رمضان شهرُ بركة، يغشاكم الله فيه فيُنزِل الرحمة،
ويستجيبُ فيه الدعاء، ينظرُ الله إلى تنافُسِكم فيه، ويُباهِي بكم ملائكَتَه،
فأرُوا الله من أنفُسِكم خيرًا؛ فإن الشقيَّ من حُرِم فيه من رحمةِ الله )
 رواه الطبرانيُّ، ورواتُه ثقات.
ورمضانُ شهرٌ عظيمُ البركات في جميع الأوقات، فلا تغفُل فيه - أيها الصائِم
 عن إيداع الحسنات في تلك الساعات، فما مضَى من الزمن لا يعُودُ إلى يوم القيامة.
وحاسِب نفسَك في المال الذي آتاك الله - عز وجل -، فجنِّبه المُحرَّمات والشُّبُهات؛
فالمأكلُ الحرام يمنعُ قبولَ الدعاء والأعمال الصالِحات، وطهِّر مالَكَ - أيها المسلم
بالزكاة؛ فمن لم يُزكِّ مالَه كان عذابًا له، وشرًّا له، يسعَى لجمعه،
ويتمتَّعُ به مَن بعدَه، وعليه وِزرُه !

عن أبي هريرة - رضي الله عنه :
 عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:

( ما من صاحبِ كنزٍ لا يُؤدِّي زكاتَه، إلا مُثِّل له شُجاعٌ أقرَع - أي: ثُعبان -،
فيأخذُ بلهزمَتَيه - يعني: شِدقَيه - ينهشُه، ويقول: أنا مالُك، أنا كنزُك )
 رواه البخاري ومسلم.

والزكاةُ عبادةٌ للربِّ تعالى، وحقٌّ للفقراء، لا تسقُط بحالٍ، والنفقاتُ الواجِبةُ
والمُستحبَّةُ يُضاعَفُ ثوابُها في هذا الشهر وفي غيرِه، وفي هذا الشهر أعظم.
وأيُّ كرمٍ وفضلٍ أعظَم من كرمِ الله وجُودِه وفضلِه؛ فقد أعطاكَ الله المالَ،
ورضِيَ منك بمِقدار الزكاة وهو قليل، تُخرِجُه من المال رُبع عُشره؛
ففي المليون خمسةٌ وعشرون ألفًا، وما دُون ذلك وما فوقَ ذلك فبحسابِه؛
قال الله تعالى: 
{ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }
 [ سبأ: 39 ]
ولو أدَّى الأثرياءُ الزكاةَ ما بقِيَ فقير.
ولتكُن عنايتُكم بالذكر أعظمَ عناية، فهو أفضلُ الأعمال، والقرآنُ أفضلُ الذكر،
وقد كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخُصُّ القرآنَ بزيادة التلاوة في رمضان،
وقد كان جبريلُ يُدارِسُه القرآنَ فيه، كما ثبتَ في "الصحيحين".
والمناسبةُ ظاهرةٌ لمن تدبَّرها؛ فالطعامُ والشرابُ غذاءُ البدن،
والقرآنُ والذكرُ غذاءُ الروح، والصومُ يُقوِّي سُلطانَ الروح،
فيرقَى المُسلم في درجات العبادة والفضائل، بالقرآن والذكر والأعمال الصالِحة.

فسارِعوا - رحمكم الله - إلى كل الخيرات، في هذه الأوقات، ولا يزهدنَّ أحدٌ في فعل خير،
وإن كان قليلاً؛
قال الله تعالى:

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا }
[ النساء: 40 ].

ولا يحقِرنَّ أحدٌ معصيةَ ولو كانت صغيرة؛ فإن لها طالبًا وكتابًا حافظًا،
وكم من هالكٍ بالتهاوُن بالصغائِر
 قال الله تعالى:

{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }
[ الزلزلة: 7، 8 ].
وفي الحديث:

( إياكم ومُحقِّرات الذنوب؛ فإنهن يجتمِعن على المرء حتى يُهلِكنَه )

قال الله تعالى:

{ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }
[ المائدة: 48 ].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،
ونفعَنا بهدي سيِّد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم وللمسلمين،
فاستغفِروه إنه هو الغفور الرحيم.


الحمد لله الذي يقبلُ التوبةَ عن عباده ويعفُو عن السيئات،
أفاضَ على خلقِه من خزائِن جُودِه وكرمِه ما لا يُحصِيه إلا الله من الخيرات،
أحمدُ ربي وأشكُرُه، وأتوبُ إليه وأستغفِرُه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له خالقُ الأرض والسماوات،
وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه المُؤيَّد بالبراهين والمُعجِزات،
 اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ،
 وعلى آله وصحبِه السابِقين إلى الخيرات.




فاتقوا الله بفعل الصالِحات، وهجرِ المُحرَّمات.

عباد الله :

بُشراكم بما لهذه الأمةِ من الخير العَميم، والأجر الكريم في هذا الشهر العظيم؛
فمن صامَه غُفر له ما تقدَّم من ذنبِه، ومن قامَه غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه،
ومن قامَ ليلةَ القدر غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه. صحَّت بذلك الأحاديث.
الله أكبر، وسبحان الله! ما أعظمَ هذا الثواب من الملك التواب !
 قال الله تعالى:

{ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }
[ السجدة: 17 ].

ومع هذه الفضائل والمسرَّات يُحزِن المسلمَ ما يرى في الأمة،
من التفرُّق والاختلاف، وكثرة الفِرَق التي تُسيءُ إلى الإسلام،
وتجتهِدُ في تغيير عقيدتِه الصافية النقيَّة المُضيئة، وتبديل أحكامه،
 ولكن الخيبَة والخِذلان كتبَها الله لمن حارَبَ الدينَ .

فاعرِف الحقَّ - أيها المسلم - تعرِف أهلَه لتكون معهم
 قال الله تعالى: 
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }
[ التوبة: 119 ].

واعرِف الباطلَ وأهلَ البِدع تكُن مُجانبًا لهم، ومُجاهدًا للباطل والبِدع.
وقدَرُ هذه الأمة نُصرةُ الحقِّ ودحرُ الباطل في كل زمانٍ ومكان
وفي الحديث: 
( لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ ظاهرين، حتى يأتي أمرُ الله )
 رواه مسلم.

وعلى الأمة التوبةُ إلى الله، والرُّجوعُ إليه؛ ليكشِف الله ما بها من البلاء.
وعلى كل مسلمٍ أن يُخلِصَ الدعاءَ لعامَّة المُسلمين وأئمَّتهم،
ويُشرِكهم في الدعاء مع نفسه. وأن يُصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكان.
فرمضان من أسباب رفع البلاء، وحُلول الخير والسرَّاء.

عباد الله : 
{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }
[ الأحزاب: 56 ]
 وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: 
( من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا )

فصلُّوا وسلِّموا على سيِّد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
 إنك حميدٌ مجيد،
 اللهم وبارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
 إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين،
اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ
وعن سائر أصحابِ نبيِّك أجمعين،
 اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمِك ورحمتِك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين،
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الكفر والكافرين،
ودمِّر أعداءَك أعداءَ الدين يا رب العالمين.
اللهم اجعَل بلادَنا آمنةً مُطمئنَّة يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اشرَح صُدورنا، ويسِّر أمورَنا، واغفِر ذنوبَنا،
اللهم اغفِر لموتانا وموتى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين،
 اللهم اغفِر لهم ونوِّر عليهم قبورَهم.

اللهم اقضِ الدَّين عن المدينين من المُسلمين،
اللهم واشفِ مرضانا ومرضى المُسلمين،
 اللهم واشفِ مرضانا ومرضى المُسلمين،
 اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المُسلمين برحمتِك يا أرحم الراحمين.
اللهم أحسِن عاقِبَتنا في الأمور كلِّها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذابِ الآخرة.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوال نعمتِك، وفُجاءَة نِقمتِك، وتحوُّل عافيتِك، وجميعِ سخطِك.

{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }
[ البقرة: 201 ].

اللهم إنا نسألُك فعلَ الخيرات، وتركَ المُنكَرات، وحُبَّ المساكين،
 اللهم اعصِمنا واحفَظنا من مُضلاَّت الفتن يا رب العالمين، ما ظهر منها وما بطَن.

اللهم أصلِح أحوال المُسلمين،
اللهم احفَظ المُسلمين،
اللهم احفَظ المُسلمين في الشام،
اللهم انتقِم ممن ظلمَهم،
اللهم عليك بالظالمين الذين ظلَمُوهم،
 اللهم عليك بالظالمين الذين تسلَّطُوا عليهم،
اللهم إنا نسألُك أن تحفظَ المُسلمين في الشام،
اللهم احفَظ المُسلمين في العراق يا رب العالمين،
 اللهم احفَظ المُسلمين في اليمن من المُبتدِعين والمُنافقين، إنك على كل شيء قدير،
اللهم احفَظ المُسلمين في كل مكانٍ يا أرحم الراحمين.

اللهم ألِّف بين قلوبِ المُسلمين، وأصلِح ذاتَ بينهم، واهدِهم سُبُل السلام،
وأخرِجهم من الظُّلمات إلى النور يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِذنا وأعِذ ذريَّاتنا من إبليس وشياطينه وذرِّيَّته
وجنوده وشياطينه يا رب العالمين،
 اللهم أعِذ المسلمين من إبليس وذريَّته، إنك على كل شيء قدير.

اللهم عليك بالسَّحرة،
 اللهم عليك بالسَّحرة،
 اللهم إنا نسألُك أن تُبطِل كيدَهم اللهم أبطِل كيدَهم،
 اللهم أبطِل كيدَهم ومكرَهم يا ذا الجلال والإكرام، إنك على كل شيء قدير.
اللهم إنا نسألُك أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلوبنا.

اللهم وفِّق عبدَك خادمَ الحرمين الشريفين،
اللهم وفِّقه لهُداك، واجعَل عملَه في رِضاك يا رب العالمين،
 اللهم اجعَله ناصرًا لدينِك، إنك على كل شيء قدير،
اللهم وارزُقه الصحةَ وأعِنه على كل خيرٍ يا رب العالمين،
ووفِّق نائبَيه لما تحبُّ وترضَى يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم احفَظ جُنودَنا،
 اللهم احفَظ جُنودَنا الذين يُدافِعون عن الحرمين يا رب العالمين،
 اللهم احفَظ جُنودَنا،
 اللهم احفَظهم من الظالمين والمُعتَدين،
 اللهم احفَظ بلادَنا من المُعتَدين،
 اللهم احفَظ بلادَنا من الطامِعين.

اللهم رُدَّ كيدَ كل ذي شرٍّ في نحرِه يا رب العالمين،
 اللهم أبطِل مكرَ أعداء الإسلام والمُسلمين،
اللهم أبطِل خِططَ أعداء الإسلام التي يكيدُون بها الإسلامَ يا رب العالمين.

{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }
[ البقرة: 201 ].

عباد الله : 
{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى
 وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ }
[ النحل: 90- 91 ].

واذكُروا الله العظيم الجليل يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم،
ولذِكرُ الله أكبر، والله يعلمُ ما تصنَعون.