الثلاثاء، 3 مارس 2015

قلة المعرفة بين الناس


قلة المعرفة بين الناس 
من يُطالع كتب التراث لاسيما ما تعلّق منها بأخبار العرب يجد
في ثناياها السؤال عن الأنساب والأقوام وكثيراً ما نقرأ في تلك الكتب
عبارات تعكس هذه الحاجة البشريّة من أمثال:
"ممن القوم؟"
"من الرجل؟"
"انسب لنا نفسك"
"من أي العرب أنت؟"
وإن دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على مبلغ الاهتمام بقضايا الأنساب
على وجه العموم وعلى أن مبدأ التعارف بين الناس مبدأٌ أصيل وعادةٌ
عريقةٌ لم يزل الناس يعملون بها منذ القِدَم.
ومن محاسن هذا الدين أنه
جاء متناغماً مع هذه الحاجة البشريّة ومع هذا التصرّف الاجتماعي
النبيل نظراً لدوره البارز في زيادة لُحْمَة المجتمع وتعميق أواصر
المودّة بين أفراده شيئاً فشيئاً، حتى تغدو الأمّة في تماسكها كالجسد
الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى
كما ورد عن سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم
وآثار ذلك على المدى البعيد لا تخفى على أحد
وحسبنا منها أن نجد من ثمارها:
العالم حين يُعلّم الجاهل والقوي حين ينصر الضعيف وصاحب الخبرة
حين يحرص على نشر الخير وتعميم الفائدة إلى غير ذلك من الصور
المشرقة التي ما كانت لتكون لولا وجود البذرة التي نشأت منها هذه
الشجرة الكبيرة وارفة الظلال: بذرة التعارف والتواصل.
وفي هذا السياق نجد آيةً ماثلةً في الأذهان تتعلّق بما نحن بصدده من
بيان أهميّة التعارف ودوره وجاءت الآية في قالبٍ بديع يُعطي موعظةً
ويُؤسّس قاعدةً ويكشف سرّاً ويقيم منهجاً إنها الآية الكريمة التي
وردت في سورة الحجرات
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}
(الحجرات:13).
لقد جاءت الآية لتُرجع الناس إلى أصلٍ واحد وجنسٍ واحد من آدم
عليه السلام وأمّنا حوّاء وبهما بدأ النسل البشري ومع دوران عجلة
التاريخ تكاثر الناس وتفرّقوا في أرجاء المعمورة ونتج عن ذلك وجود
الشعوب والقبائل على اختلاف منابتها ومشاربها وهذا التنوّع الحاصل
يستدعي ضرورة أن يتعرّف بعضهم على بعض والعلّة في ذلك
كما يقول الشيخ السعدي
أنه لو استقل كل واحد منهم بنفسه لم يحصل بذلك التعارف الذي
يترتب عليه التناصر والتعاون والتوارث والقيام بحقوق الأقارب
ولكن الله جعلهم شعوبا وقبائل لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها
مما يتوقف على التعارف ولحوق الأنساب وفي هذه الآية دليل
على أن معرفة الأنساب مطلوبة مشروعة لأن الله جعلهم شعوبا
وقبائل لأجل ذلك.
وما يفسد الناس إلا حينما يبتعدون عن الهدي النبوي الذي يحقّق
الغايات العظيمة والمقاصد الجليلة وتأتي مسألة ترك التعارف وعدم
الحرص عليه وما يُقابله من وجود النفرة والتحفّظ من مخالطة
الآخرين كنموذجٍ للخلل في المنظومة القيميّة والذي سيكون في تحوّله
إلى ظاهرةٍ بارزةٍ وواقعٍ ثابتٍ في آخر الزمان علماً من أعلام النبوّ
وأمارةً من أماراتها.
وقد ورد في مسألة ترك التعارف بين الناس حديثٌ ورد في السنن
والمسانيد رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
فقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل
عن الساعة فقال:
( علمها عند ربي لا يجلّيها لوقتها إلا هو ولكن أخبركم
بمشاريطها وما يكون بين يديها إن بين يديها فتنة وهَرَجاً
قالوا: يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فالهَرَج ما هو؟ قال:
(بلسان الحبشة: القتل ويُلقى بين الناس التناكر
فلا يكاد أحدٌ أن يعرف أحداً )
رواه أحمد في مسنده.
أما المشاريط فهي أوائل الأمور وهي الأشراط والمقصود
بها علامات الساعة
ومنه قول ابن الأعرابي:
تشابَهُ أعناق الأمور وتلتوي مشاريطُ ما الأورادُ عنه صوادرُ
والتناكر بمعنى: التجاهل.
يُقال: تناكروا نقيض تعارفوا وهذه العلاقة اللغويّة بين اللفظين وردت
في حديث عن عائشة رضي الله عنها،
أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف )
رواه البخاري ومسلم.
إن فكرة الحديث النبوي الذي رواه حذيفة رضي الله عنه
تدور حول
ما سيسود آخر الزمان من قلّة معرفة الناس ببعضهم وقلّة التواصل
الاجتماعي بين الأفراد وما يتسبّبه ذلك من التناكر والجهل المجتمعي
فلا يكاد الواحد منهم يعرف الآخر وواقعنا يشهد بهذه القطيعة ويرى
مظاهرها بشكل متفاوت من مجتمعٍ إلى آخر. ولعل ما قاد إلى هذا
الواقع الاجتماعي السلبي غزو الحياة المعاصرة وما جلبتْه المدنيّة
فإلى الماضي القريب كان الناس يسكنون القرى والبوادي ذات التماسك
والترابط الكبير نظراً للتقارب الأسري الناتج عن المصاهرة والمناسبة
فلمّا بدأت المدن بالازدهار الاقتصادي أحضرت معها فرص العمل
المختلفة وبدأت هجرة الناس من القرى إلى المدن لتُصبح البنية
السكّانيّة لها: أخلاطاً من قبائل وشعوب مختلفة حتى كثُرت الشكوى
من أن الجار لا يكاد يعرف جاره.
ولم تقتصر التركيبة السكّانية على أبناء الدولة الواحدة كما كان
في السابق ناهيك عن ضغط العمل ونظام السكن في الشقق ونحوها
وتباين أوقات العمل صباحاً ومساءً ولا ننسى عوامل الانكباب على
الدنيا وتحصيلها ونقص الولاء لله تعالى وعدم الاهتمام بأمر المسلمين
كلّ ذلك أفرز ولا شك مظاهر التناكر التي حذّر منها رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
وتزداد هذه الصورة قتامةً في
المجتمعات الغربيّة التي ابتعدت عن شرع الله حتى يصير مجرّد السلام
على الآخر دون معرفةٍ مسبقة مثار العجب حيناً والاستهجان والريبة
أحياناً لأن علاقاتهم بالأساس قائمةٌ على النفعيّة وما يتولّد عن ذلك
من أمراضٍ اجتماعيّة خطيرة كحب الذات والفرديّة والأنانيّة فليس
عندهم "ترف" في توسيع العلاقات بما لا يخدم مصالحهم ولا يحقّق
لهم نفعاً ماديّاً وكثيراً ما تفجأنا الأخبار في صحفهم وقنواتهم عن
اكتشاف جثّةٍ متعفّنة لمن مات في بيتٍ دون أن يعلم جيرانه عنه شيئاً!
فلا عجب والحالة هذه أن تشكو مجتماعتهم من حالات الاكتئاب والقلق
والشعور بالضياع وعدم القدرة على التكيّف الاجتماعي.
والمشكلة تكمن في
إلباس بعضهم لهذا الانطواء المذموم بلبوسٍ شرعي فنجد من يستدلّ
بقول الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} فيقتطعون الآية
من سياقها:
{لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
(المائدة: 105)
ويتناسون الدعوة الواضحة إلى التعارف والصلات
فعن أبي هريرة رضي الله عنه
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم
محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر )
رواه الترمذي وأحمد
ومعنى قوله: (منسأةٌ في الأَثَر) يعني زيادة في العمر.
وهنا نقطةٌ لابد من إثارتها وحاصلها أن
هذا التناكر الواقع في عصرنا الحاضر هو نسيان بأن الإنسان "كفرد"
إنما هو تِرْسٌ في آلةٍ ضخمة له ارتباطه الأسري والشعبي والأممي
فالإنسان ليس بنفسه ولكن بمن حوله فلابد من التواصل والتعارف
في زمننا هذا أكثر من أي وقتٍ مضى.
ويمكن القول بأن من أسباب التناكر في عصرنا قلّة الالتفات إلى بعض
الآداب النبويّة التي دعا إليها الإسلام كإفشاء السلام ونشره وصلة
الأرحام والاهتمام بها وحضور الجنائز وإجابة الدعوة وعيادة المريض
ولو عن غير سابقة معرفة وغيرها من الأمور التي ارتقت من درجة
الفضائل العامة إلى مستوى الحقوق الواجبة.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه
( أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أي الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف )
متفق عليه
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
( حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض
واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس )
متفق عليه.
وأخيراً:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما صحّ عنه:
( المؤمن مَأَلفة ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف )
رواه أحمد
فالمؤمن بنص الحديث موصوف بالأُلفة يتداخل مع الناس بشكلٍ سلسٍ
ولا يجد الناس صعوبةً في التعارف عليه ولن يكون ذلك إلا بإزالة
الحاجز الموهوم بينه وبين الناس والله الموفق.

منقول من بيت عطاء الخير
الأخ / عبد العزيز محمد - الفقير إليالله

الأحد، 1 مارس 2015

الخوف من الله عز وجل


الخوف من الله عز وجل

إعداد الاستاذ /  يحي بن محمدالمازني

 الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،
نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن.

إن الخوف من الله عز وجل هو من أعلى مراتب التقوى
إذ لا يصل الإنسان إلى منازل التقوى العالية إلا بخوفه من الله سبحانه وتعالى.

قال الله تعالى: 
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }
[ الأنفال: 2 ]
وقال تعالى: 
{ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ }
[ المؤمنون: 60 ]
( سألتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عن هذِهِ الآيةِ
{ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ }
قالت عائشةُ : أَهُمُ الَّذينَ يشربونَ الخمرَ ويسرِقونَ
قالَ لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ ، ولَكِنَّهمُ الَّذينَ يصومونَ ويصلُّونَ
ويتصدَّقونَ ، وَهُم يخافونَ أن لا تُقبَلَ منهُم
أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ )
وسوف نستهل هذه الرسالة بالحديث عن خوف رسولنا عليه الصلاة والسلام
الذي كان أتقى الناس، وأخوف الناس من ربه عز وجل.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت:
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 
 ( إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية ) 
فقد كان عليه الصلاة والسلام يظهر عليه آثار الخوف
إذا تغيرت عليه الأحوال، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: 
 ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً
حتى أرى لهواته، إنما كان يبتسم، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً،
عرف ذلك في وجهه،
فقالت: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء
أن يكون فيها مطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية!
فقال: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيها العذاب؟
فلقد عذب الله قوماً بالريح، ولقد رأى قوم العذاب
فقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا )
وكان من شدة خوفه عليه الصلاة والسلام ووقوفه بين يدي ربه يبكي
حتى يسمع لصدره أزيز.
فعن عبدالله بن الشخير رضي الله عنه قال:
[ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسمعت لصدره أزيزاً كأزيز المرجل من خوف الله عز وجل ]
فهذا بعض من صور خوف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلنقف الآن
على أحوال الملائكة عليهم السلام وخوفهم من ربهم عز وجل،
يقول الله تعالى في مدح الملائكة:

{ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ 
وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ }
[ الأنبياء: 26-28 ]
وقال تعالى: 
{ وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }
[ النحل: 49-50 ]

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
( يا جبريل مالي لا أرى ميكائيل ضاحكاً قط قال جبريل: إن ميكائيل لم يضحك قط منذ أن خلق الله النار )

وعن جابر رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام:
( مررت ليلة أُسري بي إلى الملأ الأعلى،وإذا بجبريل عليه السلام كالحلس البالي من خشية الله فعرفت مكانه )

فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام وهؤلاء الملائكة عليهم السلام
كانوا مع شدة طاعتهم لربهم عز وجل يخافونه،
ثم نأتي بعد ذلك إلى خوف الصحابة رضي الله عنهم من ربهم،
وكيف كانت مراقبتهم لربهم وخوفهم منه رضي الله عنهم وأرضاهم.
فهذا الصديق رضي الله عنه عندما دخل بستاناً فرأى طائراً
على غصن شجرة فبكى وقال:

[ يا ليتني مثل هذا الطائر لا لي ولا علي ]وكان الفاروق عمر رضي الله عنه يبكي ويخاطب نفسه ويقول:

[ ويلك يا ابن الخطاب إن لم يغفر الله لك ]
وأما علي رضي الله عنه فقد صلى يوم صلاة الفجر بالكوفة،
ثم بعد أن صلى جلس مطرقاً وعليه آثار الكآبة، ثم قام وقال كلاماً
ما أدركته الجمعة التي بعدها حتى لقي الله قال:

[ لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت شيئاً يشبههم،
كانوا يصبحون شعثاً غبراً صفراً بين أعينهم كأمثال ركب المعزى
من البكاء قد باتوا لله سجداً وقياماً يتلون كتاب الله ويرواحون بين أقدامهم
وجباههم، فإذا طلع الفجر ذكروا الله فمادوا كما تميد الشجر في يوم الريح،
الله لكأن القوم باتوا غافلين ]
 فما رؤي ضاحكاً ولا مبتسماً.

 وكانت عائشة رضي الله عنها في سكرات الموت
فأتى ابن عباس رضي الله عنه يزورها ويستأذن عليها في مرضها فقالت: 
[ دعني من ابن عباس،
فقيل لها: إن ابن عباس من صالحي نبيك يسلم عليك
فقالت: ائذن له فلما جلس
قال: أبشري فما بينك وأن تلقي محمداً والأحبة إلا أن تخرج الروح
من الجسد، وكنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه،
ولم يكن رسول الله يحب إلا طيباً،
وسقطت قلادتك فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنزل
وأصبح الناس ليس معهم ماء،
 فأنزل الله عز وجل 
{ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً }
[ النساء: 43 ]
وكان ذلك بسببك، وما أنزل الله لهذه الأمة من الرخصة،
وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات جاء به الروح الأمين،
فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر فيها الله إلا يتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار،
فقالت: دعني منك يا ابن عباس، فو الذي نفسي بيده لوددت أني كت نسياً منسياً رضي الله عنها ]

وهذا معاذ رضي الله عنه قال لأبنائه وهو يجود بنفسه: 
[ انظروا أصبحنا حتى أتى فقيل له: "أصبحت فقال: اللهم إني أعوذ بك من ليلة صباحها النار، مرحباً بالموت،حبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر، ثم مات رضي الله عنه ]

أما سلفنا الصالح فكان لهم مواقف عظيمة في خوفهم من الله
نذكر بعض النماذج منها:
فهذا الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه
تقول فاطمة بنت عبدالملك زوج عمر:
[ قد يكون في الرجال من هو أكثر صلاة وصياماً من عمر،أما أن يكون فيهم من هو أكثر خوفاً وفرقاً من الله فلا تقول: كان إذا صلى العشاء الآخرة في المسجد جاء إلى مصلاه في بيته وبدأ يتهجد حتى تغلبه عيناه فإذا صحى بعد ذلك، بدأ يبكي حتى الفجر ]

وعندما ذهب هارون الرشيد إلى مكة طلب من وزيره أن يبحث له
عن رجل يعظه فذهب هارون الرشيد رحمه الله إلى الفضيل في داره،
وعندما دخل عليه أطفأ الفضيل السراج فقال هارون:
لماذا أطفأت السراج يا أبا علي؟
قال: هذا الظلام أهون من ظلمة القبر يا هارون
قال: زدني
قال: يا هارون إن الله سوف يحاسب كل إنسان عن نفسه،
 أما أنت فسوف يحاسبك عن كل إنسان من رعيتك
فبكى وقال: زدني
قال: يا هارون إني أراك جميل وجه صبيح منظر، فالله الله أن تخرب
وجههك بنار جهنم، فبكى حتى كادت نياط قلبه أن تتقطع،
ثم قال لوزيره: إذا دللتنا على أحد يعظنا فدلنا على مثل هذا.

وبكى محمد بن المنكدر بكاءً شديداً حتى خاف أهله عليه،
 فذهبوا إلى أبي حازم لينظر ماذا أصابه فجاءه أبو حازم
وقال: ما الذي يبكيك يرحمك الله
قال محمد: آية في كتاب الله عندما أقرأها لا يرقى لي دمع
قال: وما هي؟

قال: قال عز وجل:
 
{ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ }
فبكينا جميعاً.

وكان سفيان الثوري وهو جالس مع تلاميذه يبكي فجأة فقيل له: لماذا تبكي؟
قال: أخاف أن أسلب الإيمان عند الموت، وعندما جاءه الموت
بكى كثيراً فسئل عن ذلك قال: ويحكم !
أتدرون إلى أين يذهب بي إلى جنة أو نار.

وهذا الحسن البصري رحمه الله كان شديد الحزن والخوف من الله،
وكان يقول: أخاف أن ينظر الله إلى أعمالنا فيقول: لا أقبل منكم شيئاً.

ونظر عطاء السلمي إلى التنور يوماً فخر مغشياً عليه،
لأنه تذكر قول الله عز وجل:
{ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } ما هي نتيجة الخوف من الله
ينتج عن الخوف من الله عز وجل شدة المراقبة لله، لأن الخائف من الله
يستشعر قول الله عز وجل:

{ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
وقوله تعالى: 
{ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ }
وقوله تعالى: 
{ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ }
وقوله عز وجل: 
{ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ }

وشدة المراقبة لن ينتج عنها مجاهدة النفس وذلك بالابتعاد
عما حرم الله والصبر على طاعته.
وحديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه كلهم، إما خائفون من الله،
أو راجون ثوابه فاستحقوا بهذا الخوف
وهذا الرجاء هذه المنزلة يوم القيامة.
وفي صحيح ابن حبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: 
( قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي أمنين،ولا أجمع له خوفين، فإن أمنني في الدنيا، خوفته يوم القيامة،وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة )

وهذا مصداق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 
( لا يلج النار أحدٌ بكى من خشية الله حتى يعدو اللبن في الضرع )

والضابط في ذلك هو كلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول:

[ حد الخوف ما حجزك عن معاصي الله، فما زاد على ذلك،فهو غير محتاج إليه ] 
فهذا هو القياس الذي من خلاله يعرف الإنسان أنه يخاف من ربه.
لا يصل الإنسان إلى منازل التقوى العالية إلا بخوفه من الله سبحانه وتعالى
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يخافونه ويرجونه،
وأن يؤمن خوفنا ويرزقنا خشيته في السر والعلن، والله يتولى الصالحين.
 
 منقول من إيميلات بيت عطاء الخير
جزاهم الله عنا كل خير