السبت، 8 نوفمبر 2014

لفظ ( الزوج ) في القرآن الكريم / فى ظلال القرآن


الأصل في مادة (زوج) أن
 يدل على مقارنة شيء لشيء. وكل ما كان له قرين من جنسه، يقال له:
زوج، فـ (الزوج) اسم يقع على كل واحد من المقترنين، يقال: للرجل
زوج، وللمرأة زوج، وهو الفصيح. قال الله جل ثناؤه:

 { اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ }
(البقرة:35).

 ويقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى
في الحيوانات المتزاوجة:
زوج. ويقال لكل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر: زوج. و(الزوجان)
في كلام العرب: الاثنان. يقال: عليه زوجا نعال، إذا كانت عليه نعلان،
ولا يقال: عليه زوج نعال، وكذلك: عنده زوجا حمام، وعليه زوجا قيود.
ويقال لكل ما يقترن بآخر مماثلاً له، أو مضاداً: زوج. وزوجة لغة رديئة،
وجمعها زوجات، وجمع الزوج أزواج.

ولفظ (الزوج) ورد في القرآن الكريم في ثلاثة وثمانين موضعاً، جاء في
خمسة مواضع بصيغة الفعل من ذلك قوله عز وجل:

{ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ  }
 (الدخان:54)،

 وجاء في سبعة وسبعين موضعاً بصيغة الاسم من ذلك قوله تعالى:

{ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }
 (الحج:5).


 ولفظ (الزوج) جاء في القرآن الكريم على ثلاثة معان رئيسة:

الأول: بمعنى الزوجة حليلة الرجل، من ذلك قوله تعالى:

 { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ }
 (النساء:12)،

وقوله سبحانه:

{ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ }
(الزخرف:70)،

فلفظ (الزوج) في هاتين الآيتين وأشباههما المراد منه زوجة
 الرجل وحليلته.

الثاني: بمعنى الصنف، من ذلك قوله عز وجل:

 { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ }
 (الشعراء:7)

أي: أنبتنا من كل صنف من أصناف النبات زوجين اثنين.
ونظير هذا قوله سبحانه:

{ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا }
 (يس:36)

أي: الأصناف بجميع أشكالها وصورها، من الجماد، والنبات، والحيوان،
والإنسان. وبحسب هذا المعنى جاء قوله عز وجل:

{ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ }
 (الأنعام:143)

 وقوله تعالى:

{ وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً }
 (الواقعة:7).

 و(الزوج) بحسب هذا المعنى كثير في القرآن الكريم.

الثالث: الزوج بمعنى القرين والنظير، من ذلك قول الباري تعالى:

{ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ }
 (الصافات:22)،

 أي: نظراءهم، وقرناءهم. عن ابن عباس رضي الله عنهما: يعني:
أتباعهم، ومن أشبههم من الظلمة.

وقال ابن كثير:
"يعني بـ (أزواجهم) أشباههم وأمثالهم".

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يجيء صاحب الربا مع أصحاب
الربا، وصاحب الزنا مع أصحاب الزنا، وصاحب الخمر مع أصحاب الخمر.
ونحو هذا قوله تعالى:

 { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }
(التكوير:7)،

 أي: قُرنت بأشكالها في الجنة والنار. وقيل: قُرنت الأرواح بأجسادها،
حسبما نبه عليه قوله تعالى في أحد التفسيرين:

{ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً }
(الفجر:27-28)،

 أي: صاحِبِك. وقيل: قُرنت النفوس بأعمالها، حسبما نبه عليه
 قوله عز وجل:

 { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ }
 (آل عمران:30).

فأما قوله سبحانه:

{ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍعِينٍ }
 (الدخان:54)،

فمعناه: جعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات حساناً من الحور العين.
ولا يجوز أن يكون من التزويج؛ لأنه لا يقال: زوجت فلاناً بفلانة، وإنما
يقال: زوجت فلانة فلاناً بغير باء.

 قال الأصفهاني:
"ولم يجئ في القرآن (زوجناهم حوراً)، كما يقال: زوجته امرأة؛ تنبيهاً
أن ذلك لا يكون على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكحة".

وقوله عز وجل:

{ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا }
(الشورى:50)،

 معناه: يعطي سبحانه من يشاء من الناس الزوجين: الذكر والأنثى، أي:
 من هذا وهذا. وقد يكون على معنى: يجعل في الحمل الواحد ذكراً وأنثى
توأماً، وهذا المعنى الأخير قاله ابن زيد.

وقوله جل شأنه:

{ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
 (الذاريات:49)،

 قال مجاهد:
الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار،
 والسماء والأرض، والإنس والجن. وقال الحسن: السماء زوج، والأرض
زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى
يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء. وقال الطبري في المراد
من هذه الآية: "إن الله تبارك وتعالى، خلق لكل ما خلق من خلقه ثانياً له،
مخالفاً في معناه، فكل واحد منهما زوج للآخر، ولذلك قيل: خلقنا زوجين.
وإنما نبه جل ثناؤه بذلك على قدرته على خلق ما يشاء خلقه من شيء،
وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوع واحد دون خلافه، إذ كل ما صفته
فعل نوع واحد دون ما عداه كالنار التي شأنها التسخين، ولا تصلح
للتبريد، وكالثلج الذي شأنه التبريد، ولا يصلح للتسخين، فلا يجوز أن
يوصف بالكمال، وإنما كمال المدح للقادر على فعل كل ما شاء فعله من
الأشياء المختلفة والمتفقة".

وأشار الأصفهاني إلى أن هذه الآية تنبيه إلى أن الأشياء كلها مركبة من
جوهر وعرض، ومادة وصورة، وأن لا شيء يتعرى من تركيب يقتضي
كونه مصنوعاً، وأنه لا بد له من صانع؛ تنبيها أنه تعالى هو الفرد الصمد.

وحاصل القول:
إن لفظ (الزوج) في القرآن الكريم ورد على ثلاثة معان رئيسة: إما على
معنى زوجة الرجل وحليلته، وإما على معنى القرين، وإما على معنى
الصنف، والسياق والسباق هو الذي يحدد أي المعاني الثلاثة هو المراد.

مقاصد سورة الفرقان / فى ظلال القرآن



سورة الفرقان هي السورة الخامسة والعشرون بحسب ترتيب المصحف
العثماني، وهي سورة مكية بالإجماع، وعدد آياتها سبع وسبعون آية.

 تسميتها :
اسمها سورة الفرقان، وليس لها اسم غيره؛ وهذا الاسم مأخوذ من قوله
سبحانه في أول آية من هذه السورة:

 { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ }
(الفرقان:1)؛

و(الفرقان) مصدر فرق بين الشيئين، إذا فصل بينهما، وسمي به القرآن؛
لفصله بين الحق والباطل. أو لأنه لم ينزل جملة واحدة، ولكن مفروقاً،
مفصولاً بين بعضه وبعض في الإنزال. قال البقاعي: "وتسميتها
بالفرقان، واضح الدلالة على ذلك، فإن الكتاب ما نزل إلا للتفرقة بين
الملتبسات، وتمييز الحق من الباطل، ليهلك من هلك عن بينة. ويحيى
 من حي عن بينة، فلا يكون لأحد على الله حجة، ولله الحجة البالغة".

 مقاصد السورة :

قال القرطبي:
"مقصود هذه السورة ذِكْرُ موضع عِظَم القرآن، وذِكْرُ مطاعن الكفار
في النبوة والرد على مقالاتهم، فمن جملتها قولهم: إن القرآن افتراه
محمد، وإنه ليس من عند الله". يشير القرطبي بقوله هذا إلى أن
{القرآن} ذُكِرَ في هذه السورة لفظاً أو إشارة في عدة مواضع.

وقال الرازي:
"اعلم أن الله سبحانه وتعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة،
وأحوال القيامة، ثم ختمها بذكر صفات العباد المخلصين الموقنين، ولما
كان إثبات الصانع، وإثبات صفات جلاله يجب أن يكون مقدماً على الكل،
لا جرم افتتح الله هذه السورة بذلك، فقال:

{ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ }

 يشير الرازي بقوله هذا إلى آيات التوحيد، والتنزيه التي
 تضمنتها هذه السورة.

أما ابن عاشور فقد قال:
"اشتملت هذه السورة على الابتداء بتمجيد الله تعالى، وإنشاء الثناء
 عليه، ووصفه بصفات الإلهية والوحدانية فيها. وأدمج في ذلك التنويه
 بالقرآن، وجلال منزله، وما فيه من الهدى، وتعريض بالامتنان على
الناس بهديه، وإرشاده إلى اتقاء المهالك، والتنويه بشأن النبي
صلى الله عليه وسلم.

 وأقيمت هذه السورة على ثلاث دعائم :
الأولى: إثبات أن القرآن منزل من عند الله، والتنويه بالرسول المنزل
عليه صلى الله عليه وسلم، ودلائل صدقه، ورفعة شأنه عن أن تكون
 له حظوظ الدنيا، وأنه على طريقة غيره من الرسل، ومن ذلك تلقي
 قومه دعوته بالتكذيب.

الدعامة الثانية: إثبات البعث والجزاء، والإنذار بالجزاء في الآخرة،
والتبشير بالثواب فيها للصالحين، وإنذار المشركين بسوء حظهم يومئذ،
وتكون لهم الندامة على تكذيبهم الرسول وعلى إشراكهم واتباع
 أئمة كفرهم.

الدعامة الثالثة: الاستدلال على وحدانية الله، وتفرده بالخلق، وتنزيهه
عن أن يكون له ولد، أو شريك، وإبطال إلهية الأصنام، وإبطال ما
 زعموه من بنوة الملائكة لله تعالى.

وافتتحت آيات كل دعامة من هذه الثلاث بجملة

{ تبارك الذي }.

 ولخص سيد قطب رحمه الله مقاصد هذه السورة
 في موضوعات أربعة رئيسة، هي:

أولها: تسبيح الله وحمده على تنـزيل هذا القرآن على محمد
صلى الله عليه وسلم؛ ليكون للعالمين نذيراً. وتوحيد الله المالك لما في
السماوات والأرض، المدبر للكون بحكمة وتقدير، ونفي الولد والشريك.

ثانيها: بيان تطاول المكذبين بلقاء الله على الله، وتصوير مشهد اليوم
الذي يرون فيه الملائكة.

ثالثها: عرض بعض المشاهد الكونية؛ تبياناً لمظاهر الإبداع في خلقه
سبحانه وتكوينه، كمشهد الظل، وتعاقب الليل والنهار، والرياح المبشرة
 بالماء المحيي، وخلق البشر من الماء، وجعل الأنساب والمصاهرة بينهم.
ومع هذا فإن الكافرين بالله يعبدون من دونه ما لا ينفعهم ولا يضرهم،
ويتظاهرون على ربهم وخالقهم، ويتطاولون إذا دعوا إلى عبادته سبحانه.

رابعها: وصف عباد الرحمن الذين يسجدون لله سبحانه ويعبدونه، وبيان
مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة. وأن باب التوبة مفتوح
لمن يرغب في أن يسلك طريقة عباد الرحمن. وتصوير جزاءهم على
صبرهم على تكاليف الإيمان ومتطلبات العبادة.

 ومن المقاصد التي اشتملت عليها السورة
غير ما تقدم المقاصد التالية:
- بيان أنه سبحانه نزل القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم منجماً -
على مراحل وفترات- تثبيتاً للقلوب، وتلاوته حق تلاوته
 وحفظه في الصدور.

- عالمية الرسالة المحمدية، وأنها للناس كافة، وليست للعرب خاصة،

 قال الطيبي:
 مدار هذه السورة على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الناس كافة،
ينذرهم ما بين أيديهم وما خلفهم؛ ولهذا جعل براعة استهلالها قوله:

{ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا }
 (الفرقان:1).

- بيان أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم التبشير بما عند الله من الفوز
 والنجاح والفلاح لمن اتبع سبل الرشاد، والإنذار بما عنده من العقاب
 لمن أعرض عن شرعه.

- الموازنة الأخروية بين نعيم المتقين في جنات النعيم،
وعذاب الكافرين في نار الجحيم.

- خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الدعاة بالتحلي
بالصبر والمصابرة، ومجاهدة الكافرين بحجج القرآن البالغة، والأمر
بالتوكل على الله، فهو سبحانه

{ نعم المولى ونعم النصير }
(الأنفال:40).

- ذِكْر مصارع المكذبين من الأمم السابقة، كقوم موسى، ونوح، وعاد،
وثمود، وأصحاب الرس، وما بين ذلك من قرون، وعرض نهايتهم
التعيسة في سلسلة من مشاهد القيامة.

- بيان صفات عباد الرحمن المتقين، وأن من صفاتهم التي استحقوا بها
هذا الوصف أنهم يمشون في الأرض هوناً من غير تكبر ولا خيلاء ولا
استعلاء على الناس، وأنهم يقومون من الليل طاعة له سبحانه، وأنه
مقتصدون في أمرهم كله، وأنهم لا يقربون الفواحش ما ظهر منها
 وما بطن.

- خُتمت آيات هذه السورة بالحديث عن هوان البشرية على الله سبحانه،
لولا القلوب الضارعة الطائعة المستجيبة، العارفة بالله في هذا القطيع
الشارد الضال من المكذبين والجاحدين.